أحمد بن محمد المقري التلمساني
318
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
بكر « 1 » ، رحمه اللّه تعالى ؛ انتهى . [ ومنهم قاضي الجماعة أبو عبد اللّه بن أبي بكر ، الأشعري ، المالقي ] وقاضي الجماعة عند المغاربة هو بمعنى قاضي القضاة عند المشارقة ، فليعلم ذلك . وابن أبي بكر « 2 » المذكور هو محمد بن يحيى بن محمد بن أحمد بن بكر بن سعد الأشعري المالقي ، من ذرية أبي موسى الأشعري ، كان من صدور العلماء ، وأعلام الفضلاء ، سذاجة ونزاهة ومعرفة وتفنّنا ، فسيح الدرس ، أصيل النظر ، واضح المذهب ، مؤثرا للإنصاف ، عارفا بالأحكام والقراءة ، مبرّزا في الحديث تاريخا وإسنادا وتعديلا وجرحا ، حافظا للأنساب والأسماء والكنى ، قائما على العربية ، مشاركا في الأصول والفروع ، واللغة والعروض والفرائض والحساب ، مخفوض الجناح « 3 » ، حسن الخلق ، عطوفا على الطلبة ، محبّا في العلم والعلماء ، مطّرحا للتصنّع ، عديم المبالاة بالملبس ، بادي الظاهر ، عزيز النفس ، نافذ الحكم ، تقدّم ببلده مالقة ، ناظرا في أمور العقد والحلّ ومصالح الكافة . ثم ولّي القضاء بها ، فأعزّ الخطّة ، وترك الشوائب ، وأنفذ الحق ملازما للقراءة والإقراء ، محافظا للأوقات ، حريصا على الإفادة . ثم ولّي القضاء بغرناطة المحروسة ، سنة 737 ، فقام بالوظائف وصدع بالحق « 4 » ، وبهرج الشهود « 5 » ، فزيّف منهم ما ينيف على سبعين ، واستهدف بذلك إلى معاداة ومناضلة خاض ثبجها ، وصادم تيّارها ، غير مبال بالمغبّة ، ولا حافل بالتّبعة ، فناله لذلك من المشقّة والكيد العظيم ما نال مثله ، حتى كان لا يمشي إلى الصلاة ليلا ، ولا يطمئنّ على حاله . وجرت له في ذلك حكايات ، إلى أن عزم عليه الأمير أن يردّ للعدالة بعض من أخّره ، فلم يجد في قناته مغمزا ، ولا في عوده معجما ، وتصدّر لبثّ العلم بالحضرة ، يقرئ فنونا جمّة ، فنفع ، وخرّج ، وأقرأ القرآن ، ودرّس الفقه والأصول والعربية والفرائض والحساب ، وعقد مجالس الحديث شرحا وسماعا على انشراح صدر ، وحفظ تجمّل ، وخفض جناح . قال القاضي ابن الحسن : إنه كان صاحب عزم ومضاء ، وحكم صادع ، وقضاء ، أحرق قلوب الحسدة ، وأعز الخطّة بإزالة الشوائب ، وذهّب وفضّض الحقّ بمعارفه ، ونفذ في المشكلات ، وثبت في المعضلات ، واحتج وبكّت ، وتفقّه ونكّت .
--> ( 1 ) في هذه المواضع سقطت كلمة « أبي » من ج ، وهي مذكورة في اسم جده الثالث فيها وفي غيرها من الأصول . ( 2 ) في هذه المواضع سقطت كلمة « أبي » من ج ، وهي مذكورة في اسم جده الثالث فيها وفي غيرها من الأصول . ( 3 ) مخفوض الجناح : لين الجانب ، سهل الخلق ، وفي القرآن الكريم وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ( 4 ) صدع بالحق : جهر به ، وفي التنزيل فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ . ( 5 ) بهرج الشهود : أظهر زيفهم .